تقريبا، تختلف أمريكا وإيران فى كل شيء وعلى كل شيء.. من السياسة والاقتصاد إلى الأيديولوجيا والنظرة للعالم. لكن الدولتين يجمعهما الآن أمر واحد.. المظاهرات التي تشمل عشرات بل مئات المدن فى البلدين احتجاجا على طريقة تعامل الإدارة الأمريكية والسلطات الإيرانية مع الأزمات التي تواجه المواطن الأمريكي والإيراني. صحيفة «الجارديان» البريطانية نشرت أمس تقريرا جاء فى عنوانه «نظام مستعد لقتل مواطنيه». تصورت للوهلة الأولى أنه يتحدث عن إيران. لكن التقرير تناول آلاف التجمعات الاحتجاجية المشتعلة فى أمريكا بعد مقتل سيدة «بيضاء» برصاص جندي فيدرالي تابع لعناصر إدارة الهجرة المنوط بها التعامل مع المهاجرين الأجانب.
التقرير نقل عن مواطنين أمريكيين قولهم إن عنف هذه العناصر حتى مع المواطنين الأمريكيين، لا يمكن احتماله ووصفوها بأنها قوات معادية تُنفِذ «إعدامات» ضد من يقاومها. قد تكون الاتهامات مبالغا فيها. لكن ما يحدث الآن فى أمريكا ربما يكون غير مسبوق. ليس فى حجم المظاهرات أو انتهاكات رجال الهجرة بل فى رد فعل الإدارة الأمريكية.. الأمر الذى يذّكرنا بما يجرى فى العالم الثالث وإيران تحديدا. فور مقتل السيدة البيضاء، قالت وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية إن ما جرى «إرهاب محلى»، وأن هناك من يستهدف عناصر إدارة الهجرة المسلحين. بينما أظهرت لقطات فيديو عن الحادث أن السيدة لم تشكل تهديدا للجندي. ترامب وكبار مساعديه كالوا الاتهامات للقتيلة قبل إجراء أي تحقيق. الأخطر قولهم إن الجندي لديه حصانة ولن تتم محاسبته. المظاهرات الحاشدة بدأت احتجاجا على حادث القتل، لكنها طالت ترامب وإدارته وسياساته.
فى إيران أيضا مظاهرات واحتجاجات لكن بشكل أخطر. التقارير تتحدث عن مقتل العشرات. قرارات قطع الإنترنت وحرارة التليفونات لم تنجح فى وقف أو تقليل حدة «الانتفاضة». الأوضاع الاقتصادية شديدة السوء السبب الرئيسي للاحتجاجات. انهيار «الريال» الإيراني أمام الدولار جعلت التجار يتصدرون المشهد الغاضب. لينضم إليهم الطلاب وبقية فئات الشعب. الاحتجاجات جاءت بعد أن تعرضت إيران لـ «نكسة» عسكرية أمام إسرائيل والولايات المتحدة أفقدتها نفوذها السياسي والعسكري فى دول عديدة بالشرق الأوسط. كما أن نظام الحكم يواجه تحديات سياسية شديدة وسط ضبابية بشأن المستقبل مع تقدم عمر المرشد خامنئي (٨٧ عاما) وعدم حسم مسألة من يخلفه.
الفارق بين مظاهرات أمريكا وإيران أن المحتجين الأمريكيين لا يستهدفون تغيير النظام. كما أنه لا توجد دولة تتجرأ على التدخل فى الشأن الداخلي الأمريكي. أما فى إيران، فإن اندلاع المظاهرات واتساع نطاقها مرتبط مباشرة بمسألة بقاء نظام الحكم. المظاهرات بدأت احتجاجا على تردى الأوضاع المعيشية لكنها تحولت بسرعة إلى مطالبات بتغيير النظام ورددت شعارات: «الموت لخامنئي» ووقف التمويل لحماس وحزب الله.
نجل الشاه السابق استغل الموقف من أجل العودة للسلطة. ترامب حذر من أنه سيضرب إيران إذا تعرض المتظاهرون للقتل. خامنئي نصحه بالتركيز على ما يجرى فى بلاده. فى إيران، الأيام القادمة مفتوحة على كل الاحتمالات. أما فى أمريكا، فالنظام مستقر حتى لو اتسع نطاق الاحتجاجات.. وهذا هو الفرق.
المصدر: المصري اليوم
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




